رجلنا في بغداد
مجلة السياسة الخارجية
جيمس تراوب
27 نيسان/ أبريل 2012
نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، يمتلك مقدرة فريدة في خلق الأعداء، حيث يقول جوست هيلترمان الخبير في مجموعة الازمات الدولية "علاقات المالكي الشخصية بجميع الفرقاء السياسيين رهيبة". وبرزت هذه المقدرة بشكل جلي في شهر مارس، عندما تم عقد القمة العربية في بغداد والتي كان يراد منها ان تكون مؤشرا على عودة العراق كدولة لها مكانة في المنطقة بعد عقود من الدكتاتورية والحروب، الا انه لم يحضر سوى 10 قادة من بين الدول العربية التي يبلغ عددها 22 دولة، بما في ذلك كل دول الخليج عدا الكويت. ولم تحضر دول الخليج الى القمة في بغداد احتجاجا على سياسة المالكي تجاه السنة داخل وخارج العراق، وبالتالي تحولت القمة الى طقوس روتينية لا قيمة لها. وكان الصديق الوحيد للعراق في المنطقة هي إيران الشيعية، والتي تبدو عازمة على تحويل العراق إلى دولة تابعة لها.
صحيح أن العراق لم يعد يمثل تهديدا بالنسبة لجيرانه، كما كان في عهد صدام حسين. إذ أن غزو الولايات المتحدة للعراق جعل منطقة الشرق الأوسط أكثر أمنا، بفاتورة باهظة تم دفعها بالارواح العراقية والأميركية. ان الآمال التي كانت لدى المسؤولين الامريكيين في ادارة الرئيس بوش بشأن عراق ما بعد صدام، كانت تنطوي على ان تقود العراق شخصية علمانية مثل زعيم المعارضة أحمد الجلبي، ويكون العراق دولة قوية ومستقرة وموالية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط وهو الامر الذي يبدو الآن سخيفا وبشكل واضح. فالمالكي لم يكن مهتما جدا بأن يكون صديقا للولايات المتحدة، ومع رحيل القوات الامريكية لم يعد يعير الامر اي اهتمام.
العراق اليوم اصبح مخلب القط الايراني، ففي اجتماع جامعة الدول العربية، عارض الدبلوماسيون العراقيون كل الجهود المبذولة لاتخاذ تدابير صارمة ضد سوريا، كما عرضوا حتى استخدام اللغة المتشددة ضد نظام الاسد، الامر الذي جعل العراق يبدو منصاعا للاجندة الايرانية على حساب سياسات المملكة العربية السعودية وقطر، والتي كانت تدعو الى تسليح المتمردين الذين يسعون الى الاطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد . وهرع المالكي إلى طهران، مباشرة بعد انتهاء القمة العربية، للتشاور مع الرئيس محمود أحمدي نجاد. ان كل الخبراء في الشأن العراقي (تقريبا) من الذين تحدثت اليهم يتفقون على أن المالكي رجل قومي عراقي يتلوى تحت ضغط النفوذ الإيراني. ولكن هذا هو الواقع الذي يجد نفسه اليوم فيه. والسؤال هو لماذا؟
التفسير الأكثر ملاءمة لسياسة المالكي الخارجية هو ما أسميه "فرضية الوغد"، التي طرحها جون الترمان الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. حيث يقول الترمان ان المالكي يخلق له اعداء، لانه يسعى الى تحقيق المصالح الوطنية العراقية فهو "ليس خائفا من ان يتسبب ذلك له في ان يكرهه الناس في المنطقة التي تقدس وتثمن اللباقة". الترمان يعتقد أن المالكي يسلك طريقا وعرة في مسار بين الأعداء والأصدقاء المزيفين. والنظرية البديلة لهذا التفسير هي أن المالكي مصاب بمرض الوسوسة والشك، فبحسب احد المحللين الذي يعرف المالكي جيدا كما يعرف الحلقة الضيقة التي تحيط به، ان المالكي على قناعة تامة بأن خصومه في الداخل والخارج يسعون الى القضاء عليه. ويرى رأي آخر بأن المالكي يؤمن بالفوقية الشيعية وينظر الى السنة كعدو.
ولكن وحتى في ظل عدم وضوح دوافع المالكي واجندته السياسية، فهو لا يزال يلحق الضرر بمصالح العراق. فليس هناك زعيم عراقي عاقل يفتعل نزاعا مع تركيا، كما فعل المالكي. ففي يناير/ كانون الثاني عندما قال رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، أنه ينبغي على المالكي ان لا يشن الحرب ضد المعارضة السنية داخل العراق، اتهم المالكي تركيا بـ "التدخل غير المبرر في الشؤون الداخلية العراقية"، مضيفا بأن أردوغان يسعى إلى استعادة الإمبراطورية العثمانية والهيمنة على المنطقة. وادى ذلك بدوره إلى جولة أخرى من التصعيد والشتائم المتبادلة، واستدعاء السفراء من كلا الجانبين.
العراق بحاجة الى تركيا اكثر من حاجته إلى إيران. فتركيا تمتلك ضعف اجمالي الناتج المحلي الإيراني، وهذه الفجوة الاقتصادية سوف تنمو بسرعة، فتركيا مستمرة في التوسع الاقتصادي في حين أن اقتصاد ايران يأن تحت ضغط العقوبات الغربية. وكانت تركيا قد سعت للعب دور الوساطة بين الفصائل السياسية العراقية، ولكن المالكي يصر على رؤية جارته تركيا على انها قوة سنية تسعى لاستعادة الهيمنة السنية أو العثمانية على العراق. الدبلوماسية التركية ربما لم تساعد في هذا الصدد، ففي انتخابات العام 2010 دعمت تركيا منافسي المالكي في ائتلاف العراقية وقامت بتشجيع قطر لتمويل ذلك الفصيل السياسي، ذلك لأنهم رأوا فيهم البديل غير الطائفي نسبيا لائتلاف المالكي الذي يغلب عليه اللون الشيعي. وكانت المشكلة الأساسية هي عدم رغبة المالكي في التوصل الى حل وسط مع خصومه السياسيين.
ما يحدث في العراق من توترات داخلية مقلقة مردها عدم استعداد الشيعة والسنة والاكراد للقبول بتطلعات ومطالب بعضهم البعض، كما ان انتشار التوترات الطائفية الى دول الجوار على امتداد حدود البلاد ادى الى تفاقم موجة الاضطرابات التي تعصف بالمنطقة. فمثلا، سعت قوات الأمن التابعة للمالكي في شباط /فبراير الى القاء القبض على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، العضو البارز في القائمة العراقية، بعد اتهامه بادارته لفرق اغتيال تستهدف الشيعة وهي تهم بدت وكانها ملفقة (وإن كان كل شيء وارد في العراق). هرب الهاشمي على اثر ذلك الى اقليم كردستان، مما أدى إلى مواجهة بين السلطات في بغداد والقيادة في أربيل، ومن ثم انتقل إلى تركيا، حيث تم استقباله علنا من قبل رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، الامر الذي أدى الى حرب كلامية بين القيادة العراقية والتركية. وظهر الهاشمي مؤخرا في قطر، وبالطبع أثار ذلك تبادل تصريحات مشحونة بين البلدين.
انهيار المحادثات بين حكومة العراق الاتحادية وحكومة اقليم كردستان التان تتنازعان على عائدات النفط والحدود الداخلية اسهم في زيادة حدة التوترات في المنطقة. ومنذ ان مد اردوغان يده الى حكومة اقليم كردستان في العام 2007، واندمجت المنطقة الكردية في الاقتصاد التركي شهدت كردستان نموا اقتصاديا مطردا، الامر الذي كان من الممكن أن يكون نموذجا للعلاقات بين تركيا والعراق، ولكن بدلا من ذلك أصبحت العلاقات في غاية التوتر. وهددت حكومة اقليم كردستان ببيع النفط لتركيا من دون موافقة بغداد، وبناء خط انابيب يربط كردستان بتركيا. فأصبحت تركيا كورقة بيد الكرد في الصراع بين حكومة العراق المركزية وحكومة إقليم كردستان.
ان حملة التهميش التي يقودها المالكي ضد منافسيه السنة، وكذلك ضد المعتدلين من الشيعة مثل إياد علاوي، رئيس الوزراء الاسبق ومؤسس ائتلاف العراقية، جعلته يرتمي في أحضان إيران، فهي وحدها التي يمكنها أن تحكم بين الجماعات الشيعية في العراق. وكانت ايران هي من كسر الجمود السياسي بعد انتخابات العام 2010 بعد ان اجبرت أتباع مقتدى الصدر بالقبول بالمالكي رئيسا للوزراء. المالكي يعرف تماما انه مدين لايران بحصوله على منصب رئيس الوزراء، وبالتالي عندما يكون لديه مشكلة، فانه يهرع الى طهران. وبالنتيجة اصبح خصوم إيران في منطقة الخليج ينظرون إليه على انه دمية بيد إيران (حتى لو كان ذلك غير صحيح).
ان هناك واقعا مثيرا للقلق، بهو احدا الآثار الناجمة عن الاضطرابات التي عمت البلدان العربية على مدى الأشهر الـ 16 الماضية ويتمثل هذا الواقع ببروز الخلافات الطائفية إلى السطح، تماما كما حدث في اعقاب الغزو الاميركي للعراق. وهذا، بدوره، أدى إلى تصدع العلاقات الإقليمية. فالمظاهرات التي قامت بها الأغلبية الشيعية في البحرين، تصدى لها بعنف الزعماء السنة في هذا البلد، وقامت المملكة العربية السعودية بارسال قوات عسكرية الى البحرين لحمايتها ضد ما قالت انه تمرد جاء بتحريض إيراني. وتدور حرب اهلية في سوريا، بين الغالبية السنية الثائرة في وجه نظام الحكم الذي تقوده الطائفة العلوية الشيعية. هذا الواقع يجعل كلا من تركيا ودول الخليج في مواجهة مع إيران – ومؤخرا مع العراق. وكلما طال أمد هذا الصراع، سيكون من المرجح ان يزداد عمقا وحدة.
مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هي ذاتها مصالح الشعوب العربية: استبدال الأنظمة الاستبدادية بانظمة ديمقراطية، والاستعاضة عن الطرح الطائفي باخر غير طائفي - أو أقل طائفية . وكانت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش تتطلع الى ان يكون العراق بمثابة محور التحول (بهذا الاتجاه) في هذه المنطقة. بدلا من ذلك، أصبح العراق في ظل حكومة المالكي دولة مجزأة الى حد بعيد لها سمات ديمقراطية سطحية، ومصدرا للطائفية. وهو الواقع الذي قدم درسا لصناع السياسة الأميركية في العواقب غير المقصودة لتغيير الانظمة السياسية.
مجلة السياسة الخارجية: هي مجلة سياسية اقتصادية تأسست في العام 1970 على يد صموئيل هنتنغتون في العاصمة الامريكية واشنطن تعنى بالسياسة الخارجية والاقتصاد على مستوى العالم، وتعد واحدة من اهم ادوات رسم السياسة الخارجية الامريكية
جيمس تراوب: كاتب وصحفي عمل لحساب صحيفة نيويورك تايمز، وصحيفة نيويوركر، ومجلة أتلانتك الشهرية ، وهو عضو في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ويكتب الان في مجلة السياسة الخارجية (فورن بولسي)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق