الاثنين، 5 نوفمبر 2012

لا تنسوا العراق


 لا تنسوا العراق

شبكة سي ان ان العالمية
مايكل روبن
31 تشرين الاول/ أكتوبر 2012

بعد عام تقريبا من رحيل آخر القوات الأمريكية من العراق ، أخذت بغداد تتغير، نعم المدينة لا تزال متعبة وممزقة بعد عقود من العقوبات والدكتاتورية والحرب. ولكن خارج نقاط التفتيش وجدران المنطقة الخضراء حيث السفارة الأمريكية وحيث يقيم الامريكيون ومعظم ساسة العراق، بدأ العراقيون يستعيدون مدينتهم.
فشلت جهود الولايات المتحدة لإعادة بناء وتطوير العراق في كثير من الحالات، فقد مر ما يقرب من عقد من الزمن بعد ما عرف في حينها بحملة الصدمة والرعب، ولا تزال مدن العراق تفتقر إلى الكهرباء المستقرة والماء الصالح للشرب، وتملأ مياه الصرف الصحي الشوارع عندما يأتي موسم الأمطار في فصل الشتاء. لكن مع كل ذلك، لم تذهب تلك الجهود سدى، فهناك مشروعان ناجحان مكنا العراق من تلبية المتطلبات المالية وتحفيز الاقتصاد (تنمية صناعة النفط واصدار العملة الجديدة)
قد تكون بغداد متخلفة عن بقية أنحاء العراق في مستوى النمو– فاستباب الأمن والاستثمار الأجنبي أحدث طفرة اقتصادية ليس فقط في كردستان العراق، ولكن أيضا في جميع أنحاء جنوب العراق – الا انه حتى في بغداد أخذت جذوة الحياة تتوهج من جديد. فشركات بيع السيارات الكورية واليابانية تنتشر في الكرادة وأحياء بغداد المركزية الأخرى، وجامعة بغداد تعج بالطلبة بعد ان كانت مدينة اشباح أيام العنف الطائفي، إشارات المرور عادت تعمل من جديد، حتى وان لم يعرها العراقيون الاهتمام اللازم. في جميع أنحاء المدينة، بدأ البغداديون من جميع الطوائف الدينية يرتادون المطاعم والاماكن العامة، حيث انتشرت مطاعم جديدة لتلبي الطلب المتزايد. الشيعة والسنة، والمسيحيون، الكل يجتمع في النادي اللبناني، والمطعم الذي انشأ قبل سنتين ليستمعوا للموسيقى على ضفاف نهر دجلة، كما توسعت مطاعم قديمة اخرى مثل مطعم اللاذقية.
وكما كان الحال في السبعينات، عادت العوائل البغدادية مرة أخرى تتوجه الى المطاعم في الهواء الطلق في شارع أبو نواس  لتناول السمك على الطريقة التقليدية العراقية. البيرة والويسكي متاح لمن يرغب في شربها، وإن كان ذلك خفية لان الذين يبيعوها يتجنبون مداهمات الشرطة الناتجة عن صراعهم حول من يتلقى رشاوى، أكثر من مساعي فرض القيم الدينية. أول المشروعات الكبرى للحكومة العراقية سيتم الاعلان عنه قريبا. فمشروع محطة تنقية ماء نهر دجلة الذي يزود معظم المدينة بمياه الشرب النظيفة سيتم افتتاحه في غضون أشهر. وتقوم فرق العمل أيضا بنشاط كبير يتضمن غرس الأشجار وانشاء المساحات الخضراء وبناء المرافق الترفيهية على طول قناة الجيش البالغ طولها 25 كيلومترا. حيث ستكون النتيجة حديقة من المناظر الطبيعية التي ستحول بغداد الى مدينة اجتماعية وثقافية.
ان اتهام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بأنه أصبح دكتاتورا هو أمر مبالغ فيه. بالتأكيد، هو سعى لتعزيز سلطته من اجل السيطرة على مقاليد الحكم، ولكن سلطته لا تزال أقل بكثير مقارنة بغيره من القادة في الشرق الأوسط، سيما في دول مجاورة مثل المملكة العربية السعودية والأردن وإيران وسوريا وحتى تركيا. فمن المؤكد أنه من العلامات الايجابية أن صورة المالكي لا تزال غائبة بشكل واضح عن الحياة العامة في المجتمع. على عكس مسعود بارزاني، في كردستان العراق، فالمالكي يدرك ان العراقيين ناضلوا من أجل الاطاحة  بصنم صدام حسين، وهم غير مستعدين لاستبداله بمعبود جديد. الطريق للمضي قدما سيكون من خلال اعتماد استراتيجية تعزيز الانتخابات الحرة في عام 2014. وتشكيل مفوضية انتخابات عليا "مستقلة" بدلا من مفوضية الانتخابات الحزبية الحالية.
من الظلم وصف المالكي بأنه دمية في يد إيران، نعم العراقيون يتبنون مذهب التشيع بصورة علنية، وتنتشر صور آيات الله العظمى في شوارع بغداد، لكن حين يتعلق الأمر بالعلاقة بين العرب والفرس، فان القومية العراقية تتغلب على التضامن الطائفي. فخلال الحرب الإيرانية - العراقية، قاتل مئات الآلاف من المجندين العراقيين الشيعة إخوانهم الشيعة في القوات الإيرانية، ولم ينشقوا ويتحولوا إلى الجانب الإيراني. الكثير من العراقيين سعداء الان بانهيار العملة الإيرانية ليس فقط لأن ذلك يوجه ضربة للغطرسة الإيرانية، بل لانه يمنح العراقيين فرص أوفر لشراء البضائع الايرانية بأسعار منخفضة في طهران والبيع باسعار عالية في بغداد.
ولا حتى أوامر الاعتقال التي صدرت بحق طارق الهاشمي تجعل من المالكي دكتاتورا أو ألعوبة بيد إيران. فالعراقيون - بما في ذلك ائتلاف العراقية بقيادة منافسه إياد علاوي- يعترفون باحتمال أن يكون الهاشمي مذنبا؛ القضاة الذين أصدروا الحكم القضائي هم من خلفيات سياسية متنوعة. وبدلا من الالتفاف حول سياسي ملطخة يديه بالدماء، يسعى العراقيون الى تحقيق الثبات على المبدأ، فالعراقيون يتهمون مقتدى الصدر ومسرور بارزاني، من بين آخرين، بارتكاب نفس الجرائم ويأملون بأن تتم محاكمتهم أيضا.
المالكي قائد واقعي، ولكن الان وقد رحلت القوات الامريكية، لم يعد بمقدوره اللعب بطهران وواشنطن للحفاظ على ارادة مستقلة، ويجب على الولايات المتحدة الاخذ بنظر الاعتبار ان العراق من الاهمية بمكان فلا يمكن تجاهله او نسيانه، فالضغط الأمريكي المستمر افلح في الابقاء على الناشط في حزب الله علي موسى دقدوق تحت الإقامة الجبرية، حتى بعد ان اطلقت سراحه المحاكم العراقية، كما أفلحت الضغوط الأمريكية في مساعدة المالكي بالوقوف في وجه إيران واخضاع الطائرات الايرانية المتوجهه الى سوريا للتفتيش للتأكد من أنها لا تحمل أسلحة إلى نظام بشار الأسد الدموي.
الخوف من المستقبل يلوح في بغداد، ولكن هناك أيضا فرصة نهوض العراق وخرجه من المستنقع الذي وقع فيه. الروس والصينيون سعوا بقوة ليكونوا جزءا من مستقبل العراق، في حين تتراجع الولايات المتحدة. والعديد من الامريكيين يبدون وكأنهم مستعدون للتضحية بمستقبل العراق فقط من أجل موقفهم المناهض لسياسات جورج دبليو بوش، ولن يكون ذلك مأساويا للعراقيين فحسب بل وأيضا مأساويا بالنسبة للأمن القومي الأمريكي.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق