الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

تركيا تدرس صفقة نفطية كبرى مع كردستان العراق


تركيا تدرس صفقة نفطية كبرى مع كردستان العراق

واشنطن بوست
بن فان هيوفلن
ترجمة ميثم كاظم
11 كانون الأول / ديسمبر 2012

الدبلوماسيون الأميركيون يكافحون لمنع تحول كبير في سياسة تركيا تجاه العراق، وهو التحول الذي يخشى المسؤولون الأمريكيون ان يؤدي الى انقسام كبير في تلك الدولة الهشة.
خط التصدع الأكثر حساسية في العراق هو واقع الخلافات بين إقليم كردستان شبه المستقل والحكومة المركزية ذات الأغلبية العربية في بغداد. حيث يتنازع الجانبان بشأن السلطة والارض والنفط، في ظل انحياز تركي متزايد تجاه الأكراد.
وكان الزعماء الاكراد والاتراك قد دشنوا علاقة ودية وليدة عمرها خمس سنوات. ولكن الآن تركيا تتفاوض على اتفاق ضخم يقضي بأن تقوم شركة تركية جديدة مدعومة من قبل الحكومة، بالتنقيب عن النفط والغاز في الاقليم الكردي في شمال العراق، وتقوم ببناء خطوط أنابيب جديدة لنقل هذه الموارد إلى الأسواق العالمية بحسب ما أكده أربعة مسؤولين أتراك رفيعي المستوى، تحدثوا شريطة عدم ذكر أسمائهم بسبب الحساسية السياسية.
"تركيا شعرت بضرورة سؤالنا عن رأينا في هذا الامر، لأننا كنا نقول لهم في كل مناسبة، ان أي صفقات ثنائية للطاقة مع إقليم كردستان من شأنها أن تهدد وحدة العراق وتدفع برئيس الوزراء نوري المالكي الى ان يكون أقرب إلى إيران." جاء ذلك على لسان مسؤول أمريكي رفيع مختص في صنع سياسات الشرق الأوسط، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث لوسائل الإعلام .
وسعت كردستان بالفعل الى الحصول على استقلالية أكبر في مجال توفير الخدمات العامة، والسيطرة على المطارات والحدود، وادارة اجهزة الشرطة وقوات الجيش في الاقليم. وإن صفقة الطاقة مع تركيا من شأنها انهاء الاعتماد الاقتصادي الكردستاني على بغداد، والذي ربما يعتبر الرابط الاساسي الذي يربط الجانبين حتى الان.
"نحن نجري مناقشات جادة مع الشركة التركية ونأمل أن يسهموا في مشاريع الاقليم" جاء ذلك على لسان نيجيرفان بارزاني، رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان.
الحكومة التركية لم تصدر قرارا نهائيا بهذا الشأن، فوزير الطاقة التركي تانر يلدز يقود مباحثات لدراسة تلك الصفقة، ووفقا لمسؤولين كبار في الحكومة التركية، يتوقع أن تصدر توصية رسمية لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في نهاية العام.
وتأتي تحركات تركيا في وقت حساس جدا بالنسبة للمنطقة. فعلى طول الحدود الجنوبية لتركيا، تمكنت الأقلية الكردية في سوريا من السيطرة على أراضي واسعة في خضم الحرب الأهلية السورية. عدم الاستقرار في المنطقة أثار مخاوف القادة الاتراك، الذين استخدموا نفوذهم على القيادة الكردية - رئيس الحكومة نجيرفان بارزاني وعمه رئيس إقليم كردستان القوي مسعود بارزاني – من أجل ضمان حثهم على ممارسة دور حميد في سوريا.
العراق أيضا في أزمة. ففي 16 تشرين الثاني / نوفمبر، تطورت مواجهة طفيفة بين قوات الأمن الكردية وجنود عراقيين الى تبادل لاطلاق النار. منذ ذلك الحين، نشر الجانبان آلاف الجنود، الدبابات والمدفعية، على كل جانب من الحدود المتنازع عليها، ولا تزال تلك القوات ضمن نطاق إطلاق النار.

التحول الاستراتيجي
لم يترك أردوغان ادنى شك حول طبيعة مشاعره، حيث اتهم المالكي "بانه يقود العراق نحو حرب أهلية."
لكن احتضان تركيا للاكراد ليست مجرد موقف على خلفية عداوة شخصية، حيث ان ذلك يمثل تحولا استراتيجيا مقصودا أنهى سياسة التعقل التقليدية التي سادت السياسة التركية تجاه العراق.
بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في العام 2003، عارضت تركيا منح أكراد العراق المزيد من الاستقلال، خوفا من أن مثل هذه السابقة قد تعزز موقف الأقلية الكردية في تركيا في مساعيها للحصول على المزيد من الحقوق والحكم الذاتي. كما ان تركيا كانت قلقة أيضا من أن أي إقليم كردستاني في العراق سيصبح ملاذا للمتشددين من منظمة حزب العمال الكردستاني، والتي صنفتها الولايات المتحدة على انها منظمة ارهابية.
في عام 2007، بدأ اردوغان بتخفيف هذا الموقف. وتولى بنفسه المسؤولية الأساسية في رسم سياسة تركيا نحو العراق بعيدا عن قيادة الجيش وأعطاها لدبلوماسي اسمه مراد اوزجليك. "توجيهاتي استلمتها من رئيس الوزراء وكانت لبناء أفضل العلاقات مع الأكراد"
وشجع الدبلوماسيون الأمريكيون هذا التقارب. فمن خلال مواصلة التعاون الاقتصادي، تمكنت تركيا من بناء قاعدة ذات اهتمام مشترك مع الأكراد العراقيين الذين ربما كانوا سيميلون إلى التعاطف قوميا مع حزب العمال الكردستاني.
وتركيا أيضا تدرك القيمة الاستراتيجية لموارد النفط والغاز الوفيرة في كردستان العراق، والتي لم يتم التنقيب عنها في ظل الأنظمة العراقية السابقة. الاقتصاد التركي شهد نموا سريعا، بمعدل سنوي متوسط قدره حوالي 5%. وللحفاظ على هذا النمو – وللحفاظ على شعبية أردوغان الكبيرة - فان تركيا بحاجة إلى إمدادات جديدة من الطاقة.
وعلاوة على ذلك، تتطلع القيادة التركية الطموحة لرفع البلاد إلى أعلى المستويات الدبلوماسية الدولية. صرح وزير الخارجية أحمد داود أوغلو بانه ينبغي الاستفادة من الموقع الجغرافي لتركيا على مفترق الطرق بين الشرق والغرب وتحويل ذلك الى قوة جيوسياسية لتركيا. والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو جعل تركيا مركزا لعبور الطاقة.
"بحسب التحليل السياسي لوزارة الخارجية أن العلاقات مع بغداد مهمة، ولكن العلاقات مع الأكراد استراتيجية"، وقال سرهات أركمن، المستشار السياسي في مركز الشرق الاوسط للدراسات الاستراتيجية (أورسام) ، وهو معهد أبحاث متصل بوزارة الخارجية التركية. هذه الفكرة الآن تؤطر سياسة تركيا في العراق، وفقا لعدد من المسؤولين المكلفين بتنفيذ تلك السياسة.
وقال اوزجليك انه في بادئ الامر كان يرى أن علاقة قوية مع الأكراد يمكن أن تساعد تركيا بأن تقوم بمهمة الحكم في قضايا الخلافات المستمرة بين أربيل عاصمة إقليم كردستان وبغداد.
ولكن مجرى الاحداث سار بعيدا، فبدلا من ذلك، خاضت بغداد وأربيل نزاعات بشأن السياسات النفطية. حيث شجع الزعماء الأكراد الشركات العالمية على العمل في الاقليم، بما في ذلك الأراضي المتنازع عليها. وردت بغداد من خلال حرمان أي شركة تعاقدت مع حكومة إقليم كردستان من الاستثمار في حقول نفط جنوب العراق والتي تعد أكبر بكثير - وهي السياسة التي ضمنت ولاء شركات النفط العالمية الكبرى، بما في ذلك الشركة التركية للبترول المملوكة للدولة (TPAO).
وتم كسر هذا الجمود في أكتوبر 2011، من قبل اكسون موبيل، التي تطور حقل نفط هائل بموجب عقد مع بغداد، وقررت أن تتحدى الحظر الذي فرضته الحكومة العراقية المركزية وقامت بتوقيع عقود مع الحكومة الكردية، بينها ثلاثة عقود في الأراضي المتنازع عليها. بذلك، أيدت ضمنا مطالبات اربيل في توسع سلطتها الإقليمية.
كان لخطوة اكسون موبيل دور محوري في صنع السياسات الخارجية في مجال الطاقة بحسب مسؤول تركي كبير. "ها هي اكسون قادمة، فما يفترض أن تفعل تركيا؟ تبقى تنتظر؟ فلن يكون هناك شيء تفعله" جاء ذلك على لسان مسؤول تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب الحساسية السياسية.
دفعت هذه الحسابات تركيا الى تسريع جهود الشراكة مع اربيل، وفقا لعدد من المسؤولين في الخارجية التركية ووزارات طاقة في الجانبين. في بداية هذا العام، بدأ الزعماء الأتراك والأكراد مناقشة تفاصيل الشراكة الاستراتيجية في مجال الطاقة وبلغت ذروتها في دراسة اقامة خط أنابيب ناقلة للنفط.

ابقاء العراق موحدا
وقد حذر مسؤولون رفيعون في إدارة أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون من مثل هذه التحركات، وفقا لمسؤولين أتراك مشاركين في الصفقة، حيث حذروا من أن خطوط الأنابيب الثنائية من شأنها أن تسمح للأكراد بالتحايل على السلطة في بغداد بشأن صادرات النفط. وهذا بدوره سوف يؤدي إلى اتخاذ الأكراد خطوة كبيرة نحو الاستقلال.

ورفضت وزارة الخارجية والبيت الأبيض تأكيد هذه الحسابات أو التعليق على جهودها الرامية إلى تثبيط الاستثمارات التركية في كردستان. ونفى زعماء أكراد سعيهم الى الاستقلال، لكنهم أكدوا أنهم سيعون الى استخدام صفقات الطاقة لتحقيق أهدافهم السياسية في احراز المزيد من الاستقلالية في ادارة الاقليم.
القادة الأتراك يصرون أيضا على أن لا مصلحة لهم في اقامة دولة كردستان المستقلة. الاستراتيجيون في السياسة الخارجية لحكومة اردوغان يقولون انه سيكون دائما لتركيا سلطة على خطوط الأنابيب ومع هذا النفوذ، يمكن أن تساعد على الحفاظ على عراق موحد.
"ان الاكراد سيكونون بحاجة الينا من ناحة الاتصال بالعالم، وخاصة في ضوء مشاكلهم مع الإدارة المركزية"، جاء ذلك على لسان مسؤول كبير في وزارة الخارجية التركية. واضاف " تركيا لا تزال تؤيد وحدة العراق".
وبينما بدا أردوغان مؤخرا سعيدا باستعراض علاقته مع القيادات الكردية العراقية، لم تشهد علاقته مع المالكي حالا أسوأ من الان. وقد منح أردوغان ملاذا في اسطنبول لنائب الرئيس العراقي الهارب، طارق الهاشمي، الذي حكم عليه بالإعدام بسبب مزاعم بادارة فرق اغتيال طائفية؛ كما يقدم أردوغان الدعم لخصوم المالكي السياسيين، بما في ذلك دعم جهودهم التي لم تنجح في الصيف الماضي في الاطاحة برئيس الوزراء من خلال التصويت على سحب الثقة.
وتقول ادارة اوباما ان نفوذ تركيا الدبلوماسي والاستثماري يجعلها في موقع قوة مهمة لموازنة العراق ضد إيران. إذا كانت تركيا تهمل جنوب العراق باعتباره قضية خاسرة، فان ذلك يقلق الدبلوماسيين الامريكيين ، من إن إيران ستسد هذا الفراغ من خلال زيادة وجودها السياسي والاقتصادي هناك، والحصول على مزيد من النفوذ على المالكي.
ولكن تلك الحجج لم تجد لها صدى في أنقرة، حيث يعتقد كثير من كبار المسؤولين هناك بأن الشراكة الشاملة في مجال الطاقة مع اقليم كردستان باتت وشيكة. "دعم الولايات المتحدة سيكون موضع تقدير من جانبنا، لكنه ليس شرطا اساسيا"، بحسب ما افاد أحد المسؤولين المشاركين في الصفقة.

Turkey weighs pivotal oil deal with Iraqi Kurdistan

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق